أحمد بن أعثم الكوفي
349
الفتوح
الحفظ ، ولقد وطأت لك يا بني البلاد ( 1 ) ، وذللت لك رقاب ( 2 ) العرب الصعاب ، وأقمت لك المنار وسهلت لك السبل ، وجمعت لك اللجين والعقيان ، ومهدت لك الملك من بعدي تمهيدا ، فعليك يا بني من الأمور ما قرب مأخذه وسهل مطلبه ، وذر عنك ما اعتاص عليك ، واعلم يا بني أن سياسة الخلافة لا تتم لك إلا بثلاث : بجأش ربيط ، وكف أذى ، وخلق رحيب ، وثلاث أخر : علم ظاهر ، وخلق طاهر ، ووجه طلق ، ثم تردف ذلك بعشر أخر : بالصبر ، والأناة ، والتودد ، والوقار ، والسكينة ، والمروءة الظاهرة ، والشجاعة ، والسخاء ، والاحتمال للرعية بما تحب وتكره ، ولقد علمت يا بني أني كنت في أمر الخلافة خائفا شبعا يشهى شهوانا أصبح عليها جزعا وأمسى هلعا ، حتى أعطاني الناس ثمرة قلوبهم وبادروا إلى طاعتي ، فادخل يا بني من هذه الدنيا في حلالها واخرج من حرامها ، وأنصف الرعية واقسم فيئهم فيهم بالسوية ، واعلم يا بني أني أخاف عليك من هذه الأمة أن تنازعك في هذا الأمر الذي قد رفعت لك قواعده ، وخصوصا أربعة نفر من قريش ، منهم عبد الرحمن بن أبي بكر ( 3 ) وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وشبيه أبيه الحسين بن علي ، فأما عبد الرحمن بن أبي بكر فإنه إذا صنع أصحابه شيئا صنع مثلهم وإن لم يصنعوا أمسك ، وهو رجل همه النساء ( 4 ) ولذة الدنيا ، فذره يا بني وما يريد ولا تأخذ عليه في شيء من أمره فلقد علمت ما لأبيه من الفضل على هذه الأمة وقد يرعى ذمام الوالد في ولده . وأما عبد الله بن عمر فإنه ( 5 ) رجل صدق قد توحش من الناس وآنس
--> ( 1 ) الطبري : الأشياء ، وابن الأثير : الأمور . ( 2 ) الطبري : وذللت لك الأعداء ، وأخضعت لك أعناق العرب . ( 3 ) كذا بالأصل والطبري 6 / 179 والأخبار الطوال ص 226 وابن الأثير 2 / 523 ، وقد ذكر في الوصية هنا عبد الرحمن بن أبي بكر . نقول : ثمة من قال أن عبد الرحمن بن أبي بكر مات بعد زياد بن أبيه سنة 53 . والأكثر على أنه مات سنة 58 بمكة وكان موته موت فجأة من نومة نامها بمكان على عشرة أميال من مكة فحمل إليها ودفن بها . وقال ابن سعد : مات سنة قدم معاوية المدينة لأخذ البيعة ليزيد ( الإصابة - تهذيب التهذيب ) هذا يحتمل أن تكون الوصية - العهد - قد كتب قبل وفاة معاوية وبعد قدومه مباشرة من المدينة . وفي الطبري 6 / 180 أيضا نص مقارب لما ذكر هنا ولم يذكر فيه عبد الرحمن بن أبي بكر ، وكذلك في البداية والنهاية 8 / 123 والبيان والتبيين 2 / 116 والعقد الفريد 4 / 79 و 349 . وهو الصواب على كل حال . ( 4 ) الطبري : النساء واللهو . ( 5 ) الأخبار الطوال : فإنه رجل قد وقذته العبادة ، وليس بطالب للخلافة إلا أن تأتيه عفوا .